ما هو التاروت؟

ثمان وسبعون بطاقة ونصفان
مجموعة التاروت ثمان وسبعون بطاقة مقسّمة إلى نصفين مختلفين اختلافًا بيّنًا، وفهم هذا التقسيم يسبق كل شيء آخر. النصف الأول هو الأركانا الكبرى، اثنتان وعشرون بطاقة تحمل أسماء لا أرقامًا فقط: الأحمق والساحر والكاهنة العظمى وصولًا إلى العالم. وهذه تعالج التحولات الكبرى ومحطات العمر. والنصف الثاني هو الأركانا الصغرى، ست وخمسون بطاقة موزّعة على أربعة رموز: العصي والكؤوس والسيوف والنقود. وكل رمز عشر بطاقات مرقّمة من الآس إلى العشرة، تليها أربع بطاقات بلاط هي الغلام والفارس والملكة والملك. والأركانا الصغرى تعالج تفاصيل الحياة اليومية لا منعطفاتها.
ما يقابله كل رمز
لكل رمز من الأربعة عنصر ومجال. فالعصي عنصرها النار وتخصّ الدافع والمشاريع والطاقة الخلّاقة. والكؤوس عنصرها الماء وتخصّ المشاعر والعلاقات والحدس. والسيوف عنصرها الهواء وتخصّ التفكير والكلام والصراع. والنقود عنصرها التراب وتخصّ المال والعمل والصحة والأشياء الملموسة. وهذا التقسيم ليس تصنيفًا شكليًا بل أداة قراءة: فظهور عدة بطاقات من رمز واحد في قراءة واحدة يقول شيئًا عن المجال الذي يجري فيه الثقل. وغياب رمز كامل يقول شيئًا أيضًا، إذ يشير غالبًا إلى جانب مهمَل من الحياة. ويجدر الانتباه إلى أن أعداد البطاقات ليست اعتباطية: فاثنتان وعشرون تطابق عدد حروف الأبجدية العبرية، وأربعة رموز تطابق العناصر الأربعة، وهذه التوافقات هي ما بنى عليها المفسرون في القرن التاسع عشر أنظمتهم.
من أوراق لعب إلى أداة تأمل
نشأ التاروت في شمال إيطاليا في القرن الخامس عشر بوصفه لعبة ورق تُسمّى تاروكي، وكانت البطاقات المصوّرة أوراقًا رابحة داخل اللعبة لا رموزًا للتأمل. ولم يبدأ استعماله في القراءة إلا في القرن الثامن عشر على يد أنطوان كور دو جيبلان وغيره ممن نسبوا إليه أصلًا مصريًا لا سند تاريخيًا له. ثم جاء القرن التاسع عشر فربطه إليفاس ليفي بالقبّالة والحروف العبرية. وفي أواخر ذلك القرن أسّست جماعة الفجر الذهبي في لندن نظامًا كاملًا يربط كل بطاقة ببرج أو كوكب أو عنصر، وهو النظام الذي ما زال يُستعمل في نسبة الدكانات إلى بطاقات الأركانا الصغرى حتى اليوم. وفي عام 1909 صدرت مجموعة رايدر وايت سميث برسوم پاميلا كولمان سميث، وفيها صُوّرت الأركانا الصغرى بمشاهد كاملة لأول مرة على نطاق واسع، وهذا التغيير هو سبب انتشارها إلى اليوم.

ما يفعله التاروت وما لا يفعله
يجدر الفصل بين ما تقدمه هذه المجموعة فعلًا وما يُنسَب إليها. فهي لا تكشف المستقبل ولا تقدّم يقينًا، ومن يستعملها بحثًا عن تنبؤ محدد سيصاب بالخيبة أو سيقنع نفسه بما يريده أصلًا. وما تقدّمه أقرب إلى مرآة منظّمة: صور مكثّفة تدفع صاحبها إلى صياغة ما يعرفه ولم يقله بعد. ولهذا يعمل التاروت جيدًا في المسائل الغامضة والقرارات المعلّقة، ويعمل بسوء بالغ في الأسئلة التي لها جواب واقعي يمكن التحقق منه. فسؤال عن نتيجة تحليل طبي لا مكان له هنا، وسؤال عن سبب التردد في قبول وظيفة له مكان. ويجدر الانتباه إلى فرق آخر: كلما زادت معرفة السائل بالموضوع صارت القراءة أنفع، لأن الصور تعمل على مادة موجودة لا على فراغ. ولهذا يخرج المبتدئ في مجال جديد بقراءات عامة، بينما يخرج الخبير في مجاله بقراءات دقيقة على البطاقات نفسها.
دورة الأحمق
يُقرأ ترتيب الأركانا الكبرى في التقليد بوصفه رحلة واحدة تُعرَف برحلة الأحمق. فالأحمق يحمل الرقم صفر ويقف خارج السلسلة، ثم يمرّ بالإرادة عند الساحر، وبالحدس عند الكاهنة العظمى، وبالوفرة والنظام عند الإمبراطورة والإمبراطور، ثم بالتقاليد والاختيار والانطلاق. ويبلغ منتصف الطريق عند عجلة الحظ حيث يتدخل ما لا يملكه، ثم يمرّ بالتفكيك والانهيار والرجاء حتى يصل إلى العالم. وهذه القراءة الطولية مفيدة للمبتدئ لأنها تعطي كل بطاقة موضعًا في بنية بدل حفظها منفردة. ثم يعود الأحمق إلى أعلى الرزمة عند كل خلط جديد. ولا يعني ذلك أن هذا الترتيب هو القراءة الوحيدة الممكنة، فبعض المدارس تقسّم الاثنتين والعشرين إلى ثلاثة صفوف من سبع بطاقات، وبعضها يقرأها أزواجًا متقابلة. والفائدة واحدة في كل الأحوال: وضع البطاقة داخل بنية بدل تركها معلقة.
الرمزية طبقات لا شيفرة
تعمل صور التاروت بالتراكم لا بالترجمة الحرفية. فاللون يقول شيئًا: الأحمر للفعل، والأزرق للتأمل، والأصفر للوعي، والأبيض للنقاء. والاتجاه يقول شيئًا: النظر إلى اليمين مستقبل والى اليسار ماضٍ في العرف الشائع. والعدد يقول شيئًا: الواحد بداية والخمسة اضطراب والعشرة اكتمال. والعنصر يقول شيئًا. وتجتمع هذه الطبقات في صورة واحدة، ولهذا لا يوجد معجم نهائي يحصر معاني البطاقات. والقارئ الجيد يعرف الطبقات ويقرأ الصورة أمامه، ولا يستدعي تعريفًا محفوظًا ويضعه فوقها. ومن الأمثلة العملية على ذلك أن بطاقتي القوة والشمس تحملان صورًا شمسية، وأن الفراشات تظهر في بطاقتي ملكة السيوف وملكها للدلالة على تحوّل مكتسب، وأن السمندل يتكرر في رمز العصي بوصفه كائنًا يعيش في اللهب دون أن يحترق. وهذه التكرارات هي مفاتيح القراءة الحقيقية.
![]() | ![]() | ![]() |
|---|---|---|
![]() | ![]() | ![]() |
![]() |
اختلاف المجموعات
توجد اليوم آلاف المجموعات، وأشهرها ثلاث عائلات. الأولى تارو مرسيليا وهي الأقدم، وأركاناها الصغرى غير مصوّرة بل تحمل رموزًا مكررة كأوراق اللعب. والثانية رايدر وايت سميث وهي الأوسع انتشارًا وأركاناها الصغرى مصوّرة بمشاهد كاملة. والثالثة توث بتصميم أليستر كراولي ورسم فريدا هاريس، وهي أشد ارتباطًا بالنظم الفلكية والقبّالية. ويجدر الانتباه إلى فرق عملي بين هذه العائلات: فبطاقتا القوة والعدالة تتبادلان الرقمين ثمانية وأحد عشر بين مرسيليا ووايت. ولذلك يلزم معرفة المجموعة المستعملة قبل مقارنة أي مصدرين. ويجدر الانتباه أيضًا إلى أن المجموعات الحديثة الكثيرة تعيد رسم الصور بأساليب مختلفة مع الاحتفاظ ببنية وايت، ولذلك يبقى تعلّم البنية أنفع من حفظ رسوم مجموعة بعينها.
من يقرأ ولماذا
لا يشترط التاروت قدرات خاصة ولا انتماءً دينيًا، وأكثر من يستعملونه اليوم يعاملونه أداة تفكير لا وسيلة غيب. وتتنوع الاستعمالات: بعضهم يسحب بطاقة واحدة صباحًا كسؤال يومي، وبعضهم يستعمله في الكتابة والعمل الإبداعي، وبعضهم يلجأ إليه عند القرارات المعلّقة. وفي جميع هذه الاستعمالات تبقى القاعدة نفسها: البطاقة تطرح السؤال والإنسان يجيب. وما يُتخذ من قرار يبقى مسؤولية صاحبه وحده، وهذا الحد يفصل بين استعمال نافع واعتماد يُضعف صاحبه مع الوقت. ومؤشر التجاوز واضح: حين يتوقف اتخاذ أي قرار عادي إلا بعد سحب بطاقة، فالأداة صارت بديلًا عن الحكم لا معينًا له.






